بن عيسى باطاهر
58
المقابلة في القرآن الكريم
2 - الطاغوت والإنسان : الطاغوت صيغة من الطغيان ، وهي تعني تجاوز الحدّ في كل شيء وبخاصة في الكفر والعصيان ، وقد وردت في بعض المواضع من القرآن الكريم بمعنى التعدي والطغيان على حقّ الألوهية في خاصية من خصائصها ، أو في الخصائص كلها ، وترد كلمة « الطاغوت » دائما في سياق التقابل مع الألوهية الحقّة ، وقد حذّر القرآن الكريم من الطاغوت ، وعدّه من المهلكات التي توقع في الشرك والضلال ، وقرّر أن الإيمان الحقيقي هو في اجتنابه والكفر به ، قال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ النحل : 36 ] ، وفي صورة من صور التقابل الرائعة التي يوردها القرآن بين الوحدانية والطاغوت يقول تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 256 - 257 ] . والطاغوت الذي يحذر منه القرآن في هذه الآيات بعد ما حذّرت منه جميع دعوات الرسل فيما سبق من الزمان ، هو صنم يعبد من دون اللّه ، ولكن ليست له صورة واحدة ، فهو يتشكّل في صور كثيرة ، ويظهر في قوالب متعددة ، قال الطبري ( - 310 ه ) : « الطاغوت هو كل ذي طغيان على اللّه ، فعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، وإما بطاعة ممن عبده له ، إنسانا كان ذلك المعبود أو شيطانا أو وثنا أو صنما أو كائنا ما كان من شيء » « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الطبري - ج 3 - ص 19 .